العلامة المجلسي
81
بحار الأنوار
وحده كيف كانت تكون حاله ؟ وكم من خلل كان يدخل عليه في أموره ومعاشه وتجاربه إذا لم يحفظ ما له وعليه ، وما أخذه وما أعطى ، وما رأى وما سمع ، وما قال وما قيل له ، ولم يذكر من أحسن إليه ممن أساء به ، وما نفعه مما ضره ، ثم كان لا يهتدي لطريق لو سلكه ما لا يحصى ، ولا يحفظ علما ولو درسه عمره ، ولا يعتقد دينا ، ولا ينتفع بتجربة ، ولا يستطيع أن يعتبر شيئا على ما مضى ، بل كان حقيقا أن ينسلخ من الانسانية أصلا فانظر إلى النعمة على الانسان في هذه الخلال ، وكيف موقع الواحدة منها دون الجميع ؟ وأعظم من النعمة على الانسان في الحفظ النعمة في النسيان ، فإنه لولا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة ، ولا انقضت له حسرة ، ولا مات له حقد ، ولا استمتع بشئ من متاع الدنيا مع تذكر الآفات ، ولا رجا غفلة من سلطان ، ولا فترة من حاسد ، أفلا ترى كيف جعل في الانسان الحفظ والنسيان ، وهما مختلفان متضادان ، وجعل له في كل منهما ضرب من المصلحة ؟ وما عسى أن يقول الذين قسموا الأشياء بين خالقين متضادين في هذه الأشياء المتضادة المتبائنة وقد تراها تجتمع على ما فيه الصلاح والمنفعة ؟ . بيان : دون الجميع أي فضلا عن الجميع . ويقال : سلا عنه أي نسيه . وقد مضى منا ما يمكن أن يستعمل في فهم آخر الكلام في موضعين فتذكر . انظر يا مفضل إلى ما خص به الانسان دون جميع الحيوان من هذا الخلق ، الجليل قدره ، العظيم غناؤه ، أعني الحياء فلولاه لم يقر ضيف ، ولم يوف بالعدات ، ولم تقض الحوائج ، ولم يتحر الجميل ، ( 1 ) ولم يتنكب القبيح في شئ من الأشياء ، حتى أن كثيرا من الأمور المفترضة أيضا إنما يفعل للحياء ، فإن من الناس من لولا الحياء لم يرع حق والديه ، ولم يصل ذا رحم ، ولم يؤد أمانة ، ولم يعف عن فاحشة ( 2 ) أفلا ترى كيف وفي للانسان جميع الخلال التي فيها صلاحه وتمام أمره ؟ . بيان : إقراء الضيف : ضيافتهم وإكرامهم . والتنكب : التجنب . ووفي على بناء المجهول من التوفية وهي إعطاء الشئ وافيا .
--> ( 1 ) تحرى : طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن : أو طلب أحرى الامرين أي أولاهما . ( 2 ) أي لم يكف ولم يمتنع عن فاحشة .